الإعلام الرقمي

مهارات “غير” تقنية في الإعلام الرقمي

أتاح الإعلام الرقمي إمكانيات وفتح آفاقاً غير محدودة للتواصل في كل المجالات. لكن الإشكال الذي يقع فيه الكثير منا، هو أنه عندما نتحدث عن الإعلام الرقمي، كثيراً ما ينحصر تفكيرنا فقط في الجانب التقني وفي كيفية اكتساب مهارات تقنية.

الأكيد أن هذا جيد ومطلوب، لكن هناك مجموعة من المبادئ ومن المهارات الغير تقنية من الجيد أيضاً أن نضعها في الحسبان، سواءً قبل أو عند البدء في أي مشروع رقمي، سواء كان موقعاً الكترونياً أو مدونة أو صفحة على فايسبوك أو عمل تصاميم وفيديوهات أو غير ذلك.

ربما قد يستائل البعض عن الفائدة من وراء التطرق لمثل هذه المهارات، لأنه قد يرى أنه من الجيد أن نركز على تعلم واكتساب المهارات التقنية، مثل عمل مونتاج فيديو أو التصميم باستخدام فوتوشوب.

وهذا مهم وضروري، لكن – صدقوني – تعلم المهارات التقنية سهل، صحيح قد يأخذ بعض الوقت، لكن بالممارسة والخبرة ستتطور مهاراتنا التقنية، لكن الأهم هو وضع أساس وقاعدة صلبة للعمل الذي نقوم به.

مهارة غير تقنية 1: أن تدرك أنه لا توجد إجابة واحدة

إحدى هذه المهارات المهمة – في اعتقادي –  هي أن نعرف وتدرك أنه في العالم الرقمي لا توجد إجابة واحدة بل إجابات متعددة. بمعنى أنني قد أعرض أفكاري بخصوص موضوعٍ معين وفق تصوري ومنظوري الخاص، ويأتي شخص آخر ويشرح نفس الموضوع بطريقة أخرى.

وهذا طبيعي، لأن هذا من سنن الحياة، أضف إلى ذلك أن المواضيع الرقمية هي مواضيع حديثة وسريعة التغيير والتطور، فما هو موجود اليوم قد يحل محله غداَ شيء آخر.

لذلك ما أنصحك به هو تتابع باستمرار المجال الذي تهتم به، وأن تنوع أيضاً من المصادر التي تتعلم منها ولا تعتمد على مصدر واحد.

لا توجد إجابة واحدة تعني أيضاً أنه لا يوجد شخص باستطاعته أن يجيبك عما تريد أنت القيام به، بمعنى أنه من الخطأ أن تسألني أو تسأل شخصاً آخر عما تريد أنت القيام به. لأن ما نجح معي قد لا ينجح معك، وقد ينجح موقعك الإلكتروني فيما فشلت في القيام به مواقع أخرى.

هناك مقولة للعالم الأمريكي الشهير (Neil Tyson) يقول: (Knowledge is a process not an answer) أي “المعرفة هي عملية (مسار عملي) وليست إجابة “.

بمعنى أن يجب أن تخوض تجربتك بنفسك وتنطلق في مشروعك، وبمرور الوقت ستتشكل لديك بعض الخبرات وبعض الإجابات لما تريده أنت، وفقاً لتصورك وخبراتك.

مهارة غير تقنية 2: ثق في حدسك واهتماماتك

بمعنى ألا تحاول أن تقلد التجارب الأخرى. صحيح تعلم واستفد منها لكن اجعل لما تقوم به أنت لمسة خاصة بك.

حاول أن تعثر على القيمة المضافة للعمل الذي تقوم به، واسأل نفسك: ما الذي سيدفع الناس إلى زيارة موقعي دون المواقع الأخرى، أو أن يُعجبوا بالفيديوهات أو التصاميم التي أنشرها، هل لأنني متخصص في مجال معين، أو أكتب وأغطي مكاناً جغرافياً لا يحظى بالإهتمام الكافي من مواقع وفيديوهات أخرى … إلى غير ذلك.

مهارة غير تقنية 3: كن معانداً ولا تستسلم

صحيح أن العمل في المجال الرقمي ممتع لكنه متعب كذلك. وإسألوا الأشخاص الذين يعملون في المجالات الرقمية.

لذلك في العالم الرقمي – مثل العالم الحقيقي – “ليس هناك طريق مختصرة” (There is no shortcut). سيأخذ الأمر منك بعض الوقت، ولا بد أن تصبر من سنة إلى سنتين على الأقل، حتى يكون لديك أسلوبك ونبرتك ويتشكل لديك جمهور متابعين.

ركِّز على اهتماماتك وشغفك، في الإعلام، في الأدب، في الموسيقى، في الطبخ … فالمجال والخيارات مفتوحة.

المهم أن تحلم وتبتكر وتفكر، وأن تمتلك القدرة والشجاعة أيضاً على تفسير العالم بطريقتك الخاصة.

مهارة غير تقنية 4: أنتج ولا تنتظر الكمال

لا تنتظر حتى يصبح عملك كاملاً بدون نقائص، ولا تقارن ما تقوم به أنت بأعمال أخرى يقوم بها أشخاص أصحاب خبرة أو لديهم فِرق عمل تقوم بذلك.

أنت ستصل إن شاء الله إلى مستوى جيد، لكن أنتج ودع الناس ترى أعمالك. ومهما كان العمل بسيطاً سوف يُعجب الناس لأنه – ببساطة – عمل جاد.

مهارة غير تقنية 5: رواية القصة

مهارة غير تقنية أخرى مهمة هي أن تمتلك القدرة على رواية القصة … ما معنى هذا ؟؟

سؤال: ما الذي يدفعنا إلى مشاهدة فليم معين، في المنزل أو في السينما، من أول إلى آخره ؟ وما الذي يشدنا في الرواية أيضاً لساعات طوال حتى ننهي قراءة رواية معينة ؟؟

المخرجون والروائيون فهموا طبيعة البشر التي تبحث عن الفضول وحب معرفة النهايات. كما أن القصة تحتوي على عنصر التشويق، وهي عبارة عن مراحل، كل مرحلة تأخذك إلى آخرى.

وفي الصحافة والإعلام أيضاً، ابتكرت المدرسة الأنجلوساكسونية مصطلح (News Storytelling) أي “رواية القصة الصحفية”. بمعنى أننا نعرض المعلومة أو الخبر في شكل مراحل مترابطة “مقدمة، تفاصيل، خاتمة”.

فالمقدمة تتضمن المعلومة الأهم، ثم تليها معلومات أخرى أقل أهمية، أو أن نحاول أن نفصَِل أكثر في المعلومة المهمة ونقنع الناس بوجهة نظرنا.

وسواء كان العمل الذي تقوم به مقال مكتوب، أو فيديو، أو بودكاست صوتي، حاول أن تتناول الخلاصة لأهم فكرة في البداية، بعد ذلك حاول أن تشرحها وفق تسلسل منطقي باستخدام لغة بسيطة، عبر الإنتقال من نقطة إلى نقطة أخرى حتى لا تشتت انتباه متابعيك.

في التصاميم كذلك يمكنك تطبيق أسلوب رواية القصة. هناك ما يُسمى “إنفوغرافيكس”، وهي التصاميم التي تستطيع أن تشرح بها أموراً معقدة بأسلوب مبسط وواضح، كالبيانات والإحصائيات. فيُمكنك مثلاً أن تعرض المعلومة المهمة بلون أو حجم مختلف حتى تثير انتباه متابعيك إليها. فمن خلال اللعب على الألوان والأحجام مثلاً يمكنك أن تقود متابعيك وفق تسلسل معين حتى توصل لهم فكرتك.

مهارة غير تقنية 6: التعليم

نسبة كبيرة ممن يستخدمون محركات البحث، مثل محرك Google، يكون هدفها تعلم كيفية القيام بأمور مختلفة. فالأسئلة عادة ما تبتدأ بـ “كيف” أو “How to” باللغة الإنجليزية. مثلاً “كيف أُبيِّض أسناني” أو “كيف أُعدّ البيتزا بطريقة سهلة”، إلى غير ذلك من الأسئلة.

فالناس تبحث دائماً عن تعلم أشياء جديدة باستمرار وتتفاعل مع هذا النوع من المحتوى.

لذلك إبحث عن المواضيع التي تهم متابعيك وضمن تخصصك وقدم لها شروحات، في شكل مقالات أو تصاميم أنفوغرافيكس أو فيديوهات … إلخ.

وقد انتشر في السنوات الأخيرة – خاصة في موقع يوتيوب – مفهوم (DIY) أو (Do It Yourself) بمعنى “قم به بنفسك”، أين يقوم الشخص بعمل فيديو يشرح كيفية عمل شيء معين بأسلوب مبسط، في الطبخ، في النجارة، في الأشغال المنزلية، إلى غير ذلك، ويشجع الناس على القيام بذلك. وهي طريقة جيدة في الشرح في اعتقادي.

مهارة غير تقنية 7: المعالجة (Curation)

بداية مصطلح (Curation) مأخوذ من المجالين العلمي والتقني. ومن المصطلحات التي أصبحت متداولة على الإنترنت نجد (Content Curation) أي معالجة المحتوى، أو بعبارة أدق، عملية جمع معلومات من مصادر مختلفة لإعادة استخدامها، لها علاقة بمجال معين يحظى بالإهتمام.

فالإنترنت والشبكات الاجتماعية غنية بالكثير من المعلومات وبالكثير من المحتوى، والكثير منه أيضا تم إعداده بطريقة جيدة.

فبدل أن أكتب مقالاً أو أصور فيديو حول موضوع سبق للآخرين أن تناولوه، أقوم بجمع ما تم تداوله وما تم إنتاجه من مصادر مختلفة لأعيد نشره في شكل مقال أو فيديو جديد.

وهذا الأسلوب أصبح متداولاً بكثرة في المواقع والمدونات وفي صفحات فيسبوك، بل هناك برامج تلفزيونية كاملة تقوم على معالجة ما تم تداوله من مواضيع على مواقع التواصل الاجتماعي.

سؤال: كيف ولماذا نقوم بمعالجة المحتوى. الإجابة: لأسباب كثيرة :

  • مثلاً لإثراء الصفحة على فيسبوك، لأن الصفحة قد يصيبها بعض الركود فنعمد إلى تنشيطها عبر نشر محتوى من مواقع أو صفحات أخرى.
  • لجلب زوار للموقع، فأكتب حول موضوع معين ثم أضمنه فيديوهات أو تغريدات لأشخاص آخرين، كأن أكتب موضوعاً حول ردة فعل الناس وتعليقاتهم بعد وقوع حدث معين.

مهارة غير تقنية 8: طبق قاعدة R.I.T.E

من الحلول المقترحة لعمل حتوى رقمي هو تطبيق قاعدة (R.I.T.E)، أي (Relevant)، و(Interesting)، و(Timely)، و(Entertaining).

1- Relevant (له علاقة)

أي أن تنشيء محتوى له علاقة بالتخصص أو المجال تهتم به، اللهم إلا إذا كان الموقع الذي تكتب فيه عاماً وبالتالي مسموح لك أن تتناول مختلف المجالات.

مثلاً إذا كانت لديك صفحة فايسبوك حول الرياضة فلا تنشر فيها موضوعاً حول الصحة، لأن متابعيك اشتركوا في الصفحة على أساس أنها تهتم بالرياضة. أو على الأقل حاول أن تجد رابطاً منطقياً بين الموضوعين حتى لا تُربك متابعيك، فتكتب موضوعاً حول فائدة الرياضة في الصحة، أو الرياضة الصحية …إلخ.

2- Interesting (أن يكون الموضوع يهم الأشخاص الذي تكتب أو تنشيء المحتوى لهم)

بمعنى أن يكون الموضوع يهم الأشخاص الذين تكتب أو تنشيء المحتوى لهم. أن تكون كل نقطة تناقشها هي نقطة مهمة بالنسبة لهم، وإلا ستخسرهم. لأنك إذا فشلت في عمل محتوى جيد، فأنت تدع الأمر لمنافسيك ليقوموا بالمهمة على أحسن وجه.

3-Timely (في حينه وفي وقته المناسب)

أي في حينه وفي وقته المناسب. بمعنى أن تكون على دراية بالمواضيع التي تهم متابعيك الآن. أن تتابع الأخبار وأن تبحث عبر الإنترنت. وإذا عثرت على موضوع ساخن ومهم، مثلاً تقنية جديدة أو حدث كبير، أكتب عنه الآن وكن من السباقين في تناوله، وبمرور الوقت ستصبح مرجعاً في مجالك ويحب الناس عملك.

4- Entertaining (مسلٍ وممتع)

تُعجبني العبارة الانجليزية (Have fun) أي “استمتع” … استمتع وأمتعنا !.

للأسف الكثير من قضايانا أو التي ندعي الدفاع عنها غالباً ما نعرضها في شكل بائسٍ وممل. لذلك حاول ألا تهمل هذه النقطة، فمتابعوك ينتظرون الجدية ممزوجة بالمتعة.

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.